محمد بن جرير الطبري

224

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

فان كانت حقا فما ينبغي ان تزيل منزلتي منك ، وان كانت باطلا فمثلي أماط الباطل عن نفسه ، فقال عمر : بلغني انك تقول : انما صرفوها عنا حسدا وظلما ! فقلت : اما قولك يا أمير المؤمنين : ظلما ، فقد تبين للجاهل والحليم ، واما قولك : حسدا ، فان إبليس حسد آدم ، فنحن ولده المحسودون ، فقال عمر : هيهات ! أبت والله قلوبكم يا بني هاشم الا حسدا ما يحول ، وضغنا وغشا ما يزول فقلت : مهلا يا أمير المؤمنين ، لا تصف قلوب قوم اذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تَطْهِيراً بالحسد والغش ، فان قلب رسول الله ص من قلوب بني هاشم فقال عمر : إليك عنى يا بن عباس ، فقلت : افعل ، فلما ذهبت لأقوم استحيا منى فقال : يا بن عباس ، مكانك ، فوالله انى لراع لحقك ، محب لما سرك ، فقلت : يا أمير المؤمنين ، ان لي عليك حقا وعلى كل مسلم ، فمن حفظه فحفظه أصاب ، ومن اضاعه فحظه أخطأ . ثم قام فمضى . حدثني أحمد بن عمرو ، قال : حدثنا يعقوب بن إسحاق الحضرمي ، قال : حدثنا عكرمة بن عمار ، عن اياس بن سلمه ، عن أبيه ، قال : مر عمر بن الخطاب رضي الله عنه في السوق ومعه الدرة ، فخفقنى بها خفقه ، فأصاب طرف ثوبي ، فقال : أمط عن الطريق ، فلما كان في العام المقبل لقيني فقال : يا سلمه ، تريد الحج ؟ فقلت : نعم ، فاخذ بيدي ، فانطلق بي إلى منزله فأعطاني ستمائه درهم ، وقال : استعن بها على حجك ، واعلم أنها بالخفقه التي خفقتك ، قلت : يا أمير المؤمنين ما ذكرتها ! قال : وانا ما نسيتها . حدثني عبد الحميد بن بيان ، قال أخبرنا محمد بن يزيد ، عن إسماعيل ابن أبي خالد ، عن سلمه بن كهيل ، قال : قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : أيها الرعية : ان لنا عليكم حقا النصيحة بالغيب ، والمعاونة على الخير ، انه ليس من حلم أحب إلى الله ولا أعم نفعا من حلم امام ورفقه أيها الرعية ، انه ليس من جهل ابغض إلى الله ولا أعم شرا من جهل امام وخرقه أيها الرعية ، انه من يأخذ بالعافية لمن بين ظهرانيه ، يؤتى الله العافية من فوقه